محمد متولي الشعراوي

2904

تفسير الشعراوى

غرائز ولا يجعل الإنسان أفلاطونيا كما يدعون . ولم يقل : اكتموا بغضكم ، ولكنه أوضح لنا أي : لا يحملكم كرههم وبغضهم على أن تعتدوا عليهم . فسبحانه لا يمنع الشنآن ، وهو البغض ، لأنه مسألة عاطفية . فسبحانه يعلم أن منع ذلك إنما يكبت المؤمنين وكأنه يطلب منهم الأمر المحال . لذلك فالبغض من حرية الإنسان . ولكن إياك أن يحملك البغض أو الكره على أن تعتدى عليهم . ونرى سيدنا عمر يمر عليه قاتل أخيه زيد بن الخطاب ، يقول له أحدهم : هذا قاتل زيد ، فيقول عمر : وماذا أصنع به وقد هداه اللّه إلى الإسلام ، فإذا كان الإسلام جبّ الكفر ألا يجب دم أخ لعمر ؟ ولكن عمر - رضى اللّه عنه - يقول لقاتل أخيه : عندما تراني نحّ وجهك عنى . قال ذلك لأنه يعرف دور العاطفة ويعرف أنه لا يحب قاتل أخيه ، فقال قاتل أخي عمر : وهل عدم حبك لي يمنعني حقا من حقوقى ؟ فقال عمر : لا . بل تأخذ حقوقك كلها . فقال قاتل أخي عمر : لا ضير ؛ إنما يبكى على الحب النساء . فالإيمان هو الذي منع عمر من أن ينتقم من قاتل أخيه . « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا » أي أنه سبحانه لا يمنع مواجيد المؤمنين ووجدانهم وضمائرهم وقلوبهم التي تنفعل بالبغض والكره ؛ لأنه يعلم أن ذلك لا يطيقه الإنسان ؛ لأنها أمور عاطفية . والعواطف لا يقنن لها بتشريع . ولكن اعلموا أن هذه العواطف لا تبيح لكم الاعتداء . وهكذا يتدخل الإسلام في الحركة الإنسانية ليفعل الإنسان أمرا أو يتجنب فعل أمر ما ؛ فالإسلام لا يتدخل إلا في النزوع وهي تعبير عن مرحلة لا حقة للإدراك الذي يسبب للإنسان العاطفة محبة أو كراهية ، ثم يعبر الإنسان عن هذه العاطفة بالنزوع ؛ لأن مظاهر الشعور ثلاثة : إدراك ، ووجدان ، ونزوع ، فحين يمشى إنسان في بستان فيه أزهار ويرى الوردة فهذا إدراك ، ولا يمنع الإسلام هذا